القاضي التنوخي

39

الفرج بعد الشدة

فإن رأيتما أن تتفضّلا بإيصالها إليه ، فعلتما ، وأخرج رقعة طويلة جدّا . فلمّا رأياها ، قالا له : هذه عظيمة ، ولا ينشط الأمير لقراءتها ، فغيّرها ، واختصرها ، وعد في وقت آخر ، فإنّا نعرضها عليه . فقال : الّذي أحبّ ، أن تتفضّلا بعرض هذه الرّقعة . فدافعاه عن ذلك ، فقام يجرّ رجليه ، منكسر القلب ، فتداخلتني رحمة له ، وركبت ، ودخلت على سيف الدولة ، وهو جالس . وكان رسمه أن لا يصل إليه أحد ، إلّا برقعة يكتبها الحاجب ، باسم من حضر ، فإذا قرأ الرّقعة ، إن شاء أذن له ، وإن شاء صرفه . فلمّا استقررت عرض الحاجب عليه رقعة فيها : فلان بن فلان ، الموصلّي الضرير . فقال له : هذا في الدنيا ؟ أين هو ؟ . فقيل : بالباب . فقال : يدخل ، فما أظنّه - مع ما أعرفه من زهده في الطلب ، وقصد الملوك - قصدنا إلّا من شدّة ، فدخل الشيخ الّذي رأيته عند الصلحي والمغربي . فلمّا رآه استدناه ، وبشّ له ، وقال له : يا هذا ، أما سمعت بأنّا في الدنيا ؟ أما علمت مكاننا على وجه الأرض ؟ أما حان لك أن تزورنا إلى الآن ، مع ما لك بنا من الحرمة والسبب الوكيد ؟ لقد أسأت إلى نفسك ، وأسأت الظنّ بنا . فجعل يدعو له ، ويشكره ، ويعتذر ، فقرّبه ، وجلس ساعة ، ثمّ سلّم إليه تلك الرقعة بعينها ، فأخذها من يده ، وقرأها . ثمّ استدعي يونس بن بابا ، وكان خازنه ، فحضر ، فأسرّ إليه شيئا . ثمّ استدعى رئيس الفراشين ، فخاطبه سرّا . واستدعى خادما له ، فخاطبه بشيء .